منذ أن دبّت فيّ الحياة، وبدأت أشعر بدقاتٍ منتظمة في الجهة اليسرى من صدري، وأنا أحلم بالعالم الخارجي، أحلمُ بشغف فاق تعجُّبي من هذه الطبقات التي تغطيني، طبقاتٌ مخططة، كبطانة معطفٍ سوداء متقنة الحياكة، يتخللها أنابيبٌ رفيعة لا تلبث إلا أنّ تغلّف بواحدٍ سميك يتصل ببطني، أجلس في خضمّها وأرجلي إلى وجهي، إبهامي يبعد عن فمي مسافةً لم أرغب يومًا اختزالها؛ لضيق المكان، ولسخافة أن أبدأ أوّل نشاطاتي ككائن حي، بمصٍّ إبهامي .
تسعة أشهرٍ مضت، بعد أن تزوّج رجلٌ ما امرأةً ما، ونتجت أنا كجواب متوقع لمعادلة رياضيات من الدرجة الأولى، حتّى وإن صار الجَمع في حالتي هذه جماعًا، فالاختلاف ليس جوهريًا، تسعة أشهرٍ مضت، أصيبت المرأة التي تحمل بي بالإعياء خلالها، كَثُرت زياراتها للطبيب، وأدمنت شرب عصير التفاح. لم أتذوّق أي شيءٍ تمامًا، كنت كشريكٍ في جريمة سرقة بدورٍ لم يتعدّ حدود قيادة مركبة الهرب، تشرب هي، تأكل هي، وأنا تصلني النكهات جامدةً، عبر تلك القنوات الرفيعة والملفوفة في حبلٍ لا زلت أجهل سببه المنطقي، وأعتبره قيدًا يربطني بهذا الحيّز الذي لا يتسع لعقلي ذي النشاط المتزايد .
رغم بدائيّة تواصلي مع العالم الخارجي، بطعامه وشرابه، إلا أنّ ذلك لم يمنعني مطلقًا من التخطيط للمستقبل، ليست المعجزات مستحيلةً، وأنا الدليل، ها أنا أمام نفسي، صار لي أرجل وعقل وقلب، وأحلام، وما أن أخرج من هذه الكوّة الدافئة إلى النور، سأصبح رائد فضاء، أو حتّى مغنّي أوبرا، وسأشتري أحذيةً إيطاليّة لامعة، ثمّ سأقبّل في أوقات فراغي أجمل بنتٍ في الحيٍّ على أرجوحةٍ سأبنيها خصيصًا لمغامراتي العابثة.
فَتحت المرأةُ أرجلها، ودَخلت إلى صومعتي لأوّل مرّة، عشرةُ أصابع ترتدي قفازًا أبيض، راحت تقلّبني، تتأكّد أن رأسي إلى الأسفل، سمعت بعدها صوتًا يقول ” ادفعي ” ، وراحت الأصابع العشرة تسحبني إلى النور، يبدو أنّ اللحظة قد حانت وأنني سأشمّر عن ساعدي عُريَه، وأبدأ بتحقيق ما قضيت أكثر من مائتي يومٍ أخطط له.
لم أستطع فتح عيني في بادئ الأمر، كان الضوء في غرفة الولادة مفرطًا، وكنت قد تعودت على عتمةٍ أليفة، تدليت من يد الطبيب رأسًا على عقب، وأذنيّ كعادتهما كانتا كشبكة صيد ذبابٍ كهربائيّة، تلتقطان أي كلمةٍ طائرة، وبالرغم من صفعات الطبيب المتكررة على ظهري، لم أبدأ بالبكاء، لم أجد وقتًا أصلاً للبكاء، كنت أمعن التفكير فيما إذا كنت سأرضع من ثدي أمّي الأيمن، أم من ثديها الأيسر، هل سأمشي بعد عامٍ أم بعد عامين، متى سأكتشف نظريّةً جديدة، وفي أيّ عامٍ سيحاولون إقناعي بتولّي الرئاسة، وآلاف الخيارات الأخرى في هذا المكان الواسع والمليء بالاحتمالات، هذا العالم الذي لا زال مغلفًا كهديّة بعد لم تفتح.
يبدو أنّ طفلكِ أخرسٌ يا سيّدتي، قال الطبيب لأمّي على سبيل الطرفة، قال ذلك لأنّي لم أبكِ كعادة الأطفال فور خروجهم، جميلٌ أن أبدأ حياتي بكسر القاعدة، فكرتُ بيني وبين نفسي، وما أن بدأت أستمتع بصدى التميّز ذاك، حتّى أعاد الطبيب رفعي من جديد، ثمّ نصح أمّي أن تسميني ” عربي ” بما أنني قد ولدت صامتًا، ” عربي ” هي آخر كلمةٍ سمعتها قبل أن تأتي الصفعة المُثلى، صفعةٌ شعرت معها بأنني ضحيّة كاميرا خفيّة وغبيّة، وما هي إلا ثوانٍ مرّت لاهثةً حتى انفجرت هناك في عنبر الولادة .. ضاحكًا .
هل انعكس هذا الجوُّ المغبرُّ عليّ، أم انعكست عليه، أيّا يكن، فغدًا منخفض جوّي، وسترتفع معه في داخلي كلُّ درجاتِ الحرارة، سأرقب المطر قطرةً قطرةً، سأنسى دوّامةً، أو أنساب خلالها كراقصة باليه باريسيّة، أيّا يكن، فغدًا منخفضٌ جوّي، ستذهب كلُّ هذه الأتربة الصفراء بغبارها الأحمق مهزومةً، أو يُنفخ في ناي السماء فترحل مقتولةً، أيّا يكن، فعندما ينخفض الجوُّ، تعلو أشياء أكثر أهميّة.
في حياتي حفرٌ كثيرة، تنام على الشارع، وطموحها يتعدّى حدود الإسفلت. بقعٌ بيضاء تلطّخ سواد الأفق النّاصع، وتخزّن في جوف بطنها الواسع، نفاقًا ودراما لا تنتهي. أقفز عنها أحيانًا، أغضُّ عنها البصر أحيانًا أخرى، ومما لا شكّ فيه، أنّ الوقوع في واحدةٍ منها، أمرٌ لابدّ منه، إن لم يكن لغبائي، أو ضعف نظري، فسيكون للتعلّم من وجع الهبوط، أو ارتفاع المسألة، أيّا يكن.
في حياتي امرأتان، لا أفهم الأولى أبدًا، أما الثانية فلا أفهمها على الإطلاق. تملكان بكل بساطةٍ أن تجعلا منّي حارسًا لعرش آلهة الرومان القديمة، أو خائنًا بشريًا وضيعًا لا يستحقّ حتى كفنًا أبيضًا يلفُّه بعيد الرحيل. دولتان في روحي، دمعتان في عيني، جنيّتان تلتحفان شغاف قلبي. لا يستطيع أحدٌ سواهما أن يجعلني مرتبكًا، فرحًا، حزينًا، أو أيّ شيءٍ يستحق أن نلبس لبوسه على هذه الشاكلة والامتداد. قد تكون الرخصة المعطاة لهنّ في ذلك إلهيّة، وفطريّة، ومتفشيّة في مناهج الأحياء، لكنها أيضًا رخصةً عقليّة، تسلّم فيها بملء إرادتك، كلّ ما تملك، لكلّ ما تريد امتلاكه .
في حياتي امرأتان، أو أنّ حياتي في امرأتين، أيّا يكن، فكلاهما أكبر منّي، بأسبوعٍ أو بواحدٍ وعشرين عامًا، وضفائرهنّ البنيّة بكامل عبثيّتها، ستظلُّ خريطة فرحي السريّة، أمّا أنا، قافزًا عن حفرةٍ كنتُ، أو واقعًا فيها، فسأبقى أسيرًا حرًا لدى امرأتين تملكان جعلي أكذّب الواقع، وأغنّي للغد، وأصدّق نشرة الطقس، ولذا فغدًا .. منخفضٌ جوّي.
حسنًا!، إنّه أمر مثيرٌ للسخرية حقًا، ويغرقني بالامتعاض، إنّي في الاشمئزاز أغرق،
أغرق، أغرق!
كيف لشعبٍ يملك عددًا لا يُحصى من مصابيح علاء الدين، وعددًا يوازيه من الأمنيات، ولم يتحرر بعد، حتّى من الداخل، كيف و نحن نملك المستحيل، ونحن حققنا النبوءة، ما عليك إلا أن تكشط الغبار بيدك اليمنى، فيأتيك الجنيُّ .. شبّيك لبّيك!
ما الدليل؟ أسأل نفسي، أنا النملة البيضاء تنخر في جسد الوطن الخشبي؟
وأجيب نفسي، مستدركًا، أنّ الله يضع سرّه، في أضعف خلقه ..
الدليل أنّ بعض الفصائل المحنّكة، أو كل الفصائل بالأحرى، قد استخدمت مصابيحها، ونسينا نحن – أفراد الشعب- أن نكشط عقلنا، أقصد مصابيحنا، وذلك على ما يبدو هو السبب، في أننا لا زلنا نرزح تحت خط الغباء والفقر، ولكن أبشركم فلا زلنا – جغرافيًا على الأقل – نتعالى على خطّ الاستواء!
وكما للملابس مواسم، فإنّ للوطن مواسمه أيضًا، وديسمبر هذا يضجُّ بالصراخ الوطني، وبالمَردة!، المارد الأخضر، والأحمر، والأصفر، والمارد القرمزي حتّى!، كلُّهم في شهرنا هذا يخرجون من مصابيح الفصائل السحريّة آنفة الذكر، وكلُّهم يستعرضون عضلاتهم، وتاريخهم ورقصاتهم الصاخبة احتفالاً بنخب الوطن!
كي لا تسرقني نصائح التعبير والإنشاء، وحتّى لا أنسى ما غرضي الرئيسي من هذه الكلمات، والذي هو بالمناسبة بعيدٌ كلّ البعد عن افتعال نقاش فصائلي، أو حزبي، أو طائفي، أو حتى افتعال نقاش أصلا!، إنما هو غرض بسيط، من مواطن بسيط، لطواحين الإعلام، وكلّ من على شاكلتهما، بأن يجعلوا الوطن بعيدًا عن التأطير، أن لا يحسبوه جنيّا يعمل لصالح إلّي خلفوهم، وأن يتركوا تراثه من أغانٍ، وأشعار، وشهداء، ونساء مطرّزة تملأ الجرار على العين، أن يتركوا كلّ ذلك وأكثر، في أمان الله، وصدور البسطاء.
* الأغنية الموجودة في صدر الموضوع، ” بالمناسبة الموضوع يرتدي صدّارة فلا داعي لاتهامي بالخلاعة ” ، هي أغنية وطنيّة، أعتبرها أنا وربما يشاركني البعض، أغنيةً جميلة، تحفر في الذات، وتذكر بألوان العلم، تذكر بالمارد الفلسطيني على سبيل التغيير، لكنُّها استغلت من قبل رجالات الإعلام الحزبي، فصارت البلاد فصيلاً، وصارت الشمس محجوزةً، ولذا فإنني أرجو تركها وترك كلّ ما يمت لفلسطين الكبيرة في حاله، وخصوصًا في موسم المهرجانات والمسيرات الذي نمر به، و أتحدّى العالم، أن يذكر لي متى يُحتفل بانطلاقة ” فلسطين ” ، بمعنى آخر، فلسطين يا أعزّائي، هي السرمديُّة بضفائرها البيضاء.
ملاحظة سريعة : الانتقاد يظلُّ قائمًا حتى تنتهي كلُّ الفصائل من احياء انطلاقتها
” ولكن ألا تبلغ مساحة الوطن العربيّ أربعة عشر مليون كيلو مترٍ مربّعٍ يا أستاذ ” سأل أحمد مدرّسه وهو يفرك رأسه مرتبكًا وضاجّا من الرياضيّات.
خلع الأستاذ نظاراته السميكة، ركّز نظره على أحمد وأجاب مثبتًا، ” نعم يا بني ” لكنّ ذلك لا ينفي صحّة المتباينة، ركّز جيدًا لتفهمها، لا يدفع والدك لي النقود حتّى تتعلم الجغرافيا، بل لتستوعب الرياضيّات!، سأشرحها لك مجددًا !.
( لو طرحنا الدول العربية ” عدا فلسطين” من الوطن العربي فإنّ، الوطن العربي أكبر من > إسرائيل )
حاول أحمد رسم معالم الفهم على وجهه، لكنه فشل، وراح يفرك عينيه مستدرجًا الأستاذ أن يعيد شرح المعادلة مرّة أخرى ..
( لو طرحنا الدول العربية ” عدا فلسطين” من الوطن العربي فإنّ، الوطن العربي أكبر من > إسرائيل )
فاض أحمد بتساؤلاته، وما لبث إلا أن صاح مشككًا ..
- كيف تكون فلسطين لوحدها أكبر من دولة إسرائيل، إذا ما نزعنا منها دول الوطن العربي بأسره، عقلي لا يقتنع بالمتباينة، هذه الرياضيات مُخادعة!
أمسك المدرّس بنظاراته مجددًا، ارتداها على مهل وقال بصوت هادئ ..
- كم مرّة يا بنيّ يجب عليّ أن أقول لك أنّ سالب السالب موجب؟!