عام على الثورة: إلبس يا عم سعيد!

يناير 24, 2012

الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون قال: إنّ جابر بن حيان هو أول من علّم الكيمياء للعالم؛ فهو أبو الكيمياء. ولا اظنّ فرانسيس هذا كان يحابي بن حيان حين أعطاه تلك المنزلة الرفيعة؛ الرجل كان أوّل من مارس الكيمياء فعليًا، أبدع في المؤلفات النظرية (كتب حوالى 3000 مخطوطة) كما أبدع في التطبيق العملي، إذ اكتشف عددًا غير قليل من الأحماض، ناهيك عن طرق تحضير وتحليل المواد الكيميائية كالتقطير و التبخير والتصفية والانصهار والتبلور. بكلمات أخرى: جابر بن حيان هو برنس الكيمياء بلا منازع. 

ولمّا كان جابر بن حيان خطيرًا إلى ذاك الحد، فلقد عزّ على الدولة المصريّة الحديثة أن تجعله يمرُّ -تاريخيًا- مرور الكرام، وأن تترك ذكره محصورًا في كتب الزمن الغابر ومؤلفات العلوم التي لا يلتفت لها العامّة المنشغلون بالطريقة الأمثل للحاق بالأوتوبيس. وبناءً على ذلك، جاءت تسمية شارع فرعي ضيّق نسبيًا في حيّ الدقي الواقع في محافظة الجيزة، أحد أهم المحافظات المصريّة، باسم العالم الكيميائي اللامع. وفي شارع جابر بن حيان المذكور، والذي يتضمن مستشفى للولادة، ويتفرّع منه شارع يقود إلى مدرسة أجنبية، ثمّة حاجز عسكري يقف عليه عادةً جنديان يتناولان سندويتشات فول وطعميّة ملفوفة بجريدة الأهرام أو الأخبار اليوم ويراقبان بضجر (مصطنع ربما) النّاس من حولهم. 

على ذلك الحاجز المضمّخ برائحة الفول والمخللات، وقف محدثكم أكثر من ستّ مرات مشهرًا بطاقته الجامعيّة. يطلب مني في كلّ مرة أحد الجنديين فتح حقيبتي، أفتحها، يلقي نظرةً ويشير إلى بالدخول. الطريق من بعد الحاجز ليس طويلاً على أي حال، بضع خطوات حتى تجد مستطيلاً أزرقًا (يشبه اللوحات التي تكتب عليها عناوين عيادات ومدارس الاونروا) يشير النصُّ المكتوب عليه إلى مكتب استقبال المراجعين.  أدخل فيرنُّ جهاز كاشف المعادن لكن أحدًا لا يبالي، “عم سعيد” يجلس على مكتبه يقرأ الجريدة ولا يقرأها، وبضعة مراجعين يرتمون على الكراسي في انتظار ما ينتظرونه. أهلاً بكم في إدارة امن الدولة – قسم الجيزة.

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

كسّم حبيب العادلي بتاعكم

ربّما يختلف في كل مرة موعد وصولي، لون قميص “عم سعيد”، عدد المراجعين، حالة الطقس، لكنّ غايتي من المجيء هي نفسها دائمًا: لقاء الضابط طارق الصيّاد المسؤول عن “الملف الفلسطيني” في محافظة الجيزة. لماذا أريد أن أقابل الضابط؟ لماذا قضيت عامًا كاملاً ما بين فرع امن الدولة في ستة أكتوبر ومبنى الداخلية في لازوغلي وإدارة أمن الدولة في الجيزة؟ الاجابة في حالتي طويلة عريضة ولا مجال لسردها بالتفصيل، لكنها بالعموم، وضمن اطار الصورة الاكبر، بسيطة ويمكن تلخيصها في كلمتين: لأنّي فلسطيني.

المهم، عبأت الطلب الذي حفظته عن ظهر قلب، سلّمته للحيوان سعيد هذا، نظر إليه ومرره إلى أحد المستخدمين الذي أوصله بدوره إلى عامل الهاتف، ومن ثمّ جلست، كالعادة، أنتظر على أحد الكراسي وأنا ألعن أخت هالقصة. أنتظر دون أن أكون قادرًا على القراءة، من يأتيه مزاج للقراءة في مكان عفن كهذا؟، لم يكن باستطاعتي غير تأمل السجادة حينًا، والسقف حينًا، والقادمين من الباب المزوّد بكاشف المعادن حينًا آخر، وارخاء سمعي لما يدور من أحاديث بين “العم سعيد” وأحد المستخدمين. كانت تلك “زيارتي” الأولى للمقر بعد هروب بن علي، وكان أثناءها أن سمعت الحديث التالي:

- شفت حصل إيه في تونس؟
- آه شفت، دول خربوا البلد. عملوا زي ما الفلسطينيين عملوا في الكويت. حاجة تقرف.
- لكن بالك يا عم سعيد الكلام ده ممكن يحصل عندنا؟
- انت حمار يَله؟ انت فاكر نفسك فين؟ احنا عندنا دولة، عندنا حكومة يا حيوان.
- لا لا ما أئصدش، أنا بسأل بس.
- ما تسألش، عاوز تسأل روّح عند أمك يا روح أمّك.

ينتهي حوارهم وينتهي انتظاري بأن أنال الرد الجاهز : تعال بكرة. أحمل حقيبتي وأخرج كما دخلت، او هكذا اعتقدت حتى قضى الشعب أمرًا كان مفعولا .. ولا يزال. 

 

 

الصورة بكاميرا حسام الحملاوي.

تحية فلسطينية للثورة السورية | Palestinians for Syria

يناير 21, 2012


حريةمنذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة وثقتنا به لا تشوبها شائبة؛ لذا نرى أن من واجبنا أن نحذره من خطر التدخل الأجنبي وأن نشد على أياديه للحفاظ على سلميّة الثورة التي عودتنا منذ بدايتها على رفض الطائفيّة والفئويّة.

منذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة بثبات، رغم تعثر خطواته التي يقطعها إجرام نظام بشار الأسد بأسلحة كان أولى بها تحرير أرضه المحتلة، أو يقطعها اختلاف من ائتمنهم الشّعب السوري على تمثيله.

منذ عشرة أشهر يسير الشعب السوري نحو الحريّة دون أن يَحدّ القتل ومحاولة تفريق الصفوف من صموده البطولي.

منذ عشرةأشهر يسير الشعب السوري نحو الحرية والعالم كله يُحلل شعارات مظاهراته، وتحقق الفضائيّات نسب المشاهدة المرتفعة فوق دماء شهدائه، ويبيع الإعلام الكلام والصور عن حرب أهلية أو مؤامرة، أو يتكالب على الثورة السورية من لم يدعموا يومًا الحرية والديمقراطية في شرقنا، معتقدين أن مؤامراتهم ونواياهم تنطلي علينا. ونحن على ثقة أن هذه المؤامرات ستتهاوى عند أقدام الشعب السوري العربي العريق، حالما يستعيد عافيته.

أقرأ باقي الموضوع »

قصّة قصيرة على معبر طويل.

يناير 10, 2012

هذه القصّة مُتخيّلة وأي تشابه بينها وبين أيّة أحداث واقعيّة لا يعدو كونه مجرّد صدفة أخت شلن.


في تمام السّاعة الواحدة وخمس عشرة دقيقة، وبينما كانت شمس غزّة قد وجدت لنفسها بقعة خالية من الغيم الأبيض الذي ملأ السماء على عجل، وصل صخر ومحمّد واسماعيل وروحي إلى البوابة الفلسطينيّة بعد أن اجتازوا، على مراحل، المئة كيلومتر المحرّمة بين “شقّي الوطن”. أشار روحي بسبّابته من نافذة السيّارة إلى صندوق حديدي ضخم، لونه يميل إلى الحمرة، وقال: إنّهم هناك، سيأتي أحد صبيتهم بعد قليل ويطرح أسئلة روتينيّة قبل أن ندخل، هات سيجارة يا حاج اسماعيل. يعطي الحاج اسماعيل سيجارة مالبورو أحمر لروحي ويشعل أخرى لنفسه قبل أن يتمطى على المقعد الجلديِّ ويداعب خصيتيه بضجر طاعن في السّن.

صورة توضيحية.

صورة توضيحية.

دخان السجائر الذي انتشر في السيارة أعاد رسم مشهد الضّابط الاسرائيلي في مخيلة صخر. نظر بتمعّن إلى هذا الخيط الأبيض الصاعد متلاحمًا إلى الأعلى قبل أن ينقسم إلى أفرع صغيرة سرعان ما تتسرب من نافذة العربة المفتوحة كيفما اتفق. حدّق في الممر الترابي قبالته وعاد بمخيّلته إلى المكتب الأبيض:

– أهلين خبايبي، تفضلوا تفضلوا.

قال لهم الضابط الاسرائيلي وقد دخلوا عليه بعد انتظار دام أكثر من ساعتين قضوها صامتين كالأموات، جالسين كتلاميذ الابتدائيّة في انتظار أن يعرضوا على مدير المدرسة. عندما فُتح الباب ودخلوا، كانت الابتسامة على وجوه الأربعة هي نفسها التي شغلت محيّاهم طوال عقود مضت. ابتسامة صار زيفها، مع الأيام، حقيقيًا ولا مجال للتحكّم فيه. جلسوا على الكراسي المحيطة بمكتب الضّابط، وردّوا معًا كجوقة كَنسيّة: أهلاً بك.

– كيف كانت غحلتكم من قلنديا؟ آه خبايبي؟ انتوا تصريخكم طلع يوم الجمعة، لو ما طلع كنتوا رح تستنوا للأخد لانه السبت اجازة خبيبي 

أقرأ باقي الموضوع »

حفلة رأس السنة – إجابات فلسطينيّة مُحتملة.

ديسمبر 31, 2011

س: أين تخطط أن تحتفل بالعام الجديد؟

(1)

ج: هذا سؤالٌ ليس لنا، نحن لا نملك ترف أن نُسأَله او أن نجيب عليه. نحن لا نخطط، نحن يُخطط لنا، تُرسم الخرائط، تُرسّم الحدود، تبنى الحواجز، تُسرد البنود، ومن ثمّ نأتي نحن لنمرّ عبر الحلّابات. نعبر بأجسادنا، وتظلُّ فداحة العاديّ وراء ظهورنا لأنّها مهما كانت صغيرة، تظلُّ أكبر من أن تمر من ثقب صنعه الاحتلال في جداره الذي تراه أينما ولّيت وجهك. السؤال يجب أن يكون: أين وكيف وماذا تخبّئ إسرائيل لكَ في العام الجديد؟. وأين وكيف وماذا خبّأت أنت على سبيل المقاومة؟

(2)

ج: أستطيع أن أقول لك أنني أريد “الاحتفال” بالعام الجديد في سبسطية، تلك القرية الصغيرة في نابلس. بساطًا مفرودًا وسلّة مليئة بالفواكه ووسادتين وانسيابًا هادئًا إلى عام جديد في شارع الأعمدة أو في المدرج الروماني، لكن هل سيشكّل ذلك فارقًا؟ لن يفعل شيئًا سوى أنه سيزيد شعوري بالسلاسل تلفُّ عنقي. أستطيع أن أقول لك أنني أريد “الاحتفال” بالعام الجديد في غزّة، نعم في غزّة، غزة اللامحاصرة، غزّة العادية الساحليّة المتمددة على شاطئ المتوسّط كقطة تتمطّى في ملل الظهيرة، غزّة التي لا تنضح بالتناقضات البذيئة ولا تسألك إذا قررت أن تتمشّى مع صديقة لك: من هذه؟!

أو ربّما في حيفا، سيكون لطيفًا مشهد حديقة البهائيين بلاشك. أو في بئر السبع التي كذبوا علينا في حصص الجغرافيا وقالوا لنا أنّها صحراء. أستطيع أن آتي بخريطة طولها خمسة أمتار لفلسطين وأضع اصبعي على واحدة من مئات القرى التي لا أعرف عنها غير اسمها وأقول لك: هاك! هناك أريد أن أبدأ عامًا جديدًا. نعم أستطيع، لكن هل تستطيع أنت أن تضمن لي، فعليًا، أن “إسرائيل” ستسمح أصلاً بمجيء العام الجديد؟؛ في 2008 قررت أن لا تفعل. عشرون يومًا مرُّوا في رزنامة العالم على حساب عام جديد في حين كنتُ، وكان مليون ونصف آخر معي، أسرى لدى عام مضى، عام لا يمر. ولو حدث أن سَمحت، هل ستسمح لي أنا أن أمر؟ وبماذا تظنني سأشعر حين يكون تنقلي في بلدي مقرونا بتصريح مكتوب بالعبرية؟

أقرأ باقي الموضوع »

رسالة إلى السيّد حسن نصرالله.

ديسمبر 15, 2011

سماحة الأمين العام

يكتب إليك هذه الرسالةَ شاب لا حزب له ولا فصيل. يكتبها ويعترف بأنّها إنما تقوم على العاطفة، لا على المنطق. يكتبها ويريد منها ولها أن تشابه سحب طفل صغير لطرف ثوب أبيه كي ينتبه عليه ويعيره إهتمامه. مجرَّد شخص آخر من اللذين رأوا في حضرتك، يا سيّد حسن، نورًا في زمن العتمة، ووضوحًا في زمن الارتباك، ممن اقتاتوا في زمن المجاعة على خيرات بنت جبيل ومارون الرّاس، ممن غنّوا مع من غنّى: أنا عائد إلى حيفا، عائد إلى مكان الرّوح، عائد على جناح الطّير، أو عائد على صاروخ. أتمنّى منك أن تقرأ رسالتي على أساس ما سبق، أن لا تنظر إليها بعين السياسة ودهاليزها الضيّقة، بل أن تخرج بها إلى رحابة الحب، الحب الذي أكنّه لك من رأسك حتّى أخمص قدميك.

لا يخفى عليك يا سيّد حسن أن “الثورة السوريّة” تكمل اليوم شهرها التّاسع. أضع الثورة السورية بين علامتي تنصيص لا لضرورات لُغوية ولا لموقف سياسي، بل لغرض بصريٍّ بحت، وهو أن تراها وتقرأها يا سيّد حسن، فالثورة السوريّة شئت أنا أم أبيت، وشئت أنت أم أبيت، أمر موجودٌ فعلاً، موجود في حمص، درعا، القامشلي، جسر الشغور، وفي أعين شريحة واسعة من السوريين، بل لنقل أنّ الثورة السورية موجودة أصلاً في أذهان السوريين قبل حتّى أن تهب نسمات الربيع العربي على هذي البلاد مشرقًا ومغربًا. كيف لا يكون ثمّة ثورة في سوريا الحضارة؟ أيكون عجيبًا خارقًا للممكن أن تكون ثمّة ثورة في أقدم عاصمة في التاريخ؟. لا يا سيّد حسن، السوريّون الذين خرجوا في الخامس عشر من مارس لم يكونوا رعاعًا ولا متآمرين، بل كانوا ورثة حضارة وامتدادًا ديموغرافيًّا لمّن قدّر الفن واللغة قبل آلاف السنين. الحنجرة التي قالت “لا” للمستعمر في ميسلون، هي نفسها التي قالت “لا” للطاغية في درعا يا سيّد حسن، إنّها حناجر السوريين التي هتفت لك يومًا ما، وحلفت بحياتك.

أقرأ باقي الموضوع »


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,144 other followers